البحرين في حمأة الصراع بين السعودية وايران . رأي القدس العربي
شارك الخبر

خلال خمسة شهور في العام 1999 تغّيرت المنطقة العربية مع تولّي عدة ملوك العرش خلفاً لآبائهم: عبد الله الثاني ملك الأردن (شباط/فبراير) وحمد بن عيسى ملك البحرين (آذار/مارس)، ومحمد السادس ملك المغرب (تموز/يوليو)، وبعدهم بشهور قليلة (حزيران/يونيو 2000) ورث ‘الرئيس′ بشار الأسد ‘جملوكيّة’ أبيه أيضاً.

توقّعت الجماهير في تلك البلدان تغييرات سياسية تقطع مع العهود السابقة التي عاصرت مرحلة الحرب الباردة واستقطاباتها السياسية القوية بين الاتحاد السوفييتي و’المعسكر الاشتراكي’ والتنظيمات المتأثرة بالأفـــكــار الشــيوعية والاشتراكية، من جهة، والمعسكر الغربي والحكومات المحافظة الموالية له سياسيا والتي حاربت تلك الأفكار والتيارات، من جهة أخرى.
يعتبر الكثيرون سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 وانهيار جدار برلين عام 1989 حدثين فاصلين في التاريخ العالمي ساهما كثيراً في تراجع التيارات الشيوعية والاشتراكية بعد انهدام البنية التحتية التي تقوم عليها، لكن حدثاً سابقاً على ذلك لم يكن أقل تأثيراً على المحيط العربي والإسلامي وهو انتصار الثورة الايرانية عام 1979 والتي قدّمت نموذجين خطيرين للمنطقة: إسقاط نظام ملكيّ مستبدّ وموال للغرب، وتأسيس جمهورية إسلامية يرأسها وليّ فقيه ينوب عن إمام الشيعة الغائب (محمد المهدي بن الحسن العسكري) في قيادة الأمة وإقامة حكم الله على الأرض.
وفي الوقت الذي ضرب انهيار الاتحاد السوفييتي تيارات اليسار الاشتراكي والشيوعي فقد قدم انتصار الثورة الإيرانية للكثيرين من مناصري اليسار والإسلام السياسي (شيعة وسنة) قدوة وجواباً جديداً جاهزاً بحيث تآكل هذا اليسار شيئاً فشيئاً وابتلعت أنصاره تيارات الإسلام السياسي المتزايدة قوة وبأساً، بعد أن شهدت انتصاراً ايرانياً مزلزلاً أدى لقيام حكم إسلاميّ دون شريك.
ترابطت هذه الأحداث مع تطوّرات في العالم الاسلامي فدخول السوفييت أفغانستان كان في السنة التي قامت فيها الثورة الايرانية، وتوازت حرب السوفييت ضد الأفغان لعشر سنوات حتى انسحابهم عام 1989 مع الحرب العراقية الايرانية التي اندلعت عام 1980 وانتهت عام 1988، بحيث أطلّ العالم، مع بداية تسعينات القرن الماضي على مشهد جديد قديم تنهار فيه امبراطوريات وعروش وتنهض أخرى.
ترك هذا الأمر آثاراً هائلة على المنطقة مع تراكم أرباح إيران الاستراتيجية مع سير التطورات العالمية لصالحها والتي استفادت من صعود نجم القطب الأمريكي الأوحد ومغامراته الكارثية، في افغانستان، كما فعل السوفييت، ثم في العراق، فاتحة بذلك جرحاً كبيراً في الجسد العربي الإسلامي حصدت طهران نتائجه بسرعة وسهولة.
وفي الوقت الذي ساعد فيه البعد الجغرافي والحنكة السياسية الملكين محمد السادس وعبد الله الثاني فقادا بلديهما دون خسائر كبيرة، وتمكّنا من عبور موجة الربيع العربي بأمان نسبيّ، فقد ضغطت الجغرافيا والتاريخ والقرارات السياسية الحاسمة على ملك البحرين والرئيس السوري ضغطاً رهيباً، مما أفضى بسوريا إلى دمار لا سابق له، وإلى استمرار الاحتقان السياسي الكبير في البحرين.
تتعرّض مملكة البحرين إلى التأثير الكبير لتخلخل التوازن الإقليمي مع صعود القوة الإيرانية وسيطرتها على منطقة شاسعة تصل بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت (وصولاً، بشكل أقل، لصنعاء والخرطوم وغزة)، ويتقاطع ذلك مع خطّين متناقضين: الأول هو خط الثورات العربية التي تطالب بحقوق أكبر للجماهير في ادارة شؤونها، والثاني هو خط الإسلام السياسي الفارسي الشيعي الذي يجد ظهيراً مسانداً له، ايديولوجيا، وإعلامياً، وسياسياً، وعسكرياً، في إيران وحرسها الثوري وتنظيماتها المنتشرة على جغرافيا إسلامية واسعة.
يطالب النموذج البحريني الشعوب العربية بدعم حراكه واعتباره عملاً ثورياً أصيلاً ضد نظام ملكي محافظ معاد للتغيير تدعمه قوى ‘رجعيّة’ كالمملكة العربيةالسعودية ودول الخليج، غير أن انخراط تفاصيل هذا الحراك ضمن الخطّ الثاني (التمدد السياسي لإيران في الخليج) أضعف من صورته وطبعها بطابع طائفي، مثلما أضعف دخول تنظيمات سلفيّة متطرفة إلى سوريا الثورة السورية وأساء إليها، وهو ما أدى الى نوع من تكاره الضحايا، بحرينيين وعربا، على أسس طائفية، بدل انتظامهم ضمن برنامج واحد لا تجيّر اجندته لدولة استبداد دينيّ مثل إيران، ولا لأجندة استبداد آخر مثل السعودية.

أخبار ذات صله