التعددية القطبية والمصالح العربية.

علي عبد الله البجيري

بكل تاكيد ان ماتعيشه اليوم العديد من بلدان العالم من حروب عسكرية وأزمات إقتصادية، هي نتاج لصراعات سياسية تندرج في إطار استراتيجيات مدروسة تقف وراؤها دول عظمى، سعيا للهيمنة والتسيد ومن ثم الاستحواذ على الثروات والاستئثار بالمصالح الدولية.

فلطالما حدوث الازمات هي تحصيل حاصل لصراعات سياسية، فانها بكل تاكيد تنعكس ايجابا او سلبا على الامن والاستقرار ومن ثم على الحياة العامة للشعوب. فالمؤشرات الظاهرة في صراعات اليوم تدل على انها تتسم بالوجه الإيجابي، كون نتائجها ستئول الى احداث متغيرات في التوازنات الدولية وستؤدي الى متغيرات ايجابية على الساحة الدولية. صحيح ان النتائج الظاهرة أنيا هي ذات طابع سلبي، أكان أمنيا او غذائيا على الشعوب، الا ان النتائج المرجوه من تلك المتغيرات من شانها فيما بعد ان تضمن استقرار وامن بلدانها.

من هذا المنطلق فان كل دولة من دول العالم اصبحت اليوم تعد عدتها وتهيئ ذاتها لتحمل اعباء تلك الصراعات. فهي بارادتها او بدونها ستتاثر بها سلبا او ايجابا.
فعالم اليوم مثقل بالحروب والازمات والصراعات، مما يجعلنا نعتبره في وضع المخاض للولوج الى مرحلة جديدة في العلاقات الدولية. تلك المرحلة التي بدأت تنبئ بإحلال نظام دولي جديد يختلف عن سابقه، ، يتمثل في التوازن المنطقي بين القوى الدولية وتشكيل نظام القطبين في العلاقات الدولية. حينها لن تكون الولايات المتحدة وحدها هي من يتزعمه، فهناك قوى أخرى تتقدم وتحقق إنجازات كبرى اقتصادية وسياسية وعلمية وعسكرية، مثل الصين وروسيا والهند وايران وتركيا والبرازيل، تلك الدول التي اصبحت اليوم تشكل في المحصلة قطب واحد يتوازن مع القطب الامريكي وحلفائه الإوربيين.
هكذا تتضح لنا إرهاصات قيام ذلك النظام العالمي المتعدد الاقطاب، بنشوب الحرب الروسية-الاوكرانية والصراع المحتدم بين الصين والولايات المتحدة بشأن جزيرة تيوان الصينية، والذي ياتي على حساب واحدية الولايات المتحدة التي استفردت بالعالم منذ بداية التسعينات.
محاولة تطويق روسيا وتهديد امنها القومي وعزلها عن العالم فشلت وارتدت العقوبات الغربية على أعقاب من أصدرها. كما ان الهزائم الامريكية في كلا من افغانستان والعراق وسوريا وفي غيرها من البلدان هي الاخرى ترجح كفة نظام التعدد القطبي العالمي الجديد، علاوة على الفشل الذريع الذي منيت به زيارة الرئيس الامريكي مؤخرا للشرق الاوسط وعدم تحقيقها لاهدافها، ضف الى الصعود الصاروخي للاقتصاد الصيني والتطور التكنلوجي الخارق للصناعات الروسية، جميع تلك الإرهاصات تهيئ بل وتمكن القطب العالمي الجديد من أخذ مكانته وإملاء الفراغ على الساحة الدولية وإزاحة القطب الامريكي من الاستفراد بالمصير الدولي.

هذا ما عبر عنه رئيس الوزراء البريطاني الاسبق توني بلير عندما كشف في محاضرته الاخيرة في منتدى”Ditchley Park، قائلا:
“نحن نشهد نهاية الهيمنة السياسيّة والاقتصاديّة الغربيّة ونقف على أبواب عالم مُتَعَدِّد الأقطاب، وعلى الغرب أن لا يسمح للصين بالتفوّق العسكري”.
من هذا الواقع الجديد يحق لنا القول بان العالم اليوم يمر في مرحلة تحوّل حقيقي، فهو يتجه نحو نظام التعددية القطبية.

وهنا يبرز التسؤال، هل نظام التعددية القطبية في العلاقات الدولية، لصالحنا كدول وشعوب عربية ام العكس؟ وبكل ثقة نقول ان وجود التوازن المعقول في العلاقات الدولية يمنحنا كدول وشعوب عربية مكانة وثقل في تلك العلاقات. فقضايانا العربية ومصالح شعوبنا وعلى وجه الخصوص قضيتنا الفلسطينية سوف يعار لها الاهتمام الازم. وحتى لو كنا على حياد من قطبي ذلك الصراع الا ان نتائجه ستنعكس إيجابا على مصالحنا. هكذا يمكننا نحن الدول العربية الاستفادة من التوازنات في العلاقات الدولية لصالح شعوبنا وتوجهاتنا وقضايانا. ولم يتبقى لنا كدول وشعوب عربية الا التجاوب الإيجابي مع تلك المتغيرات الدولية وندعم مخاض تشكل النظام الدولي الجديد المتعدد الاقطاب.