اليمن.. القضية المزمنة
شارك الخبر
اليمن.. القضية المزمنة

صنعاء: حمدان الرحبي
قرار اللجنة الفنية للحوار الوطني في اليمن خلال الأيام القليلة الماضية بمنح 50% من مقاعده للجنوب الذي يقل سكانه عن ربع الحجم الحقيقي للسكان في البلاد، لا يخفي أهمية تلك البقعة، التي طالما كانت جزءا من الاستقرار أو بذرة نزاع. وجاءت تلك الخطوة متزامنة مع مطالب رفعتها بعض الفصائل في الحراك الجنوبي التي طالبت أيضا بأن يتم الحوار تحت رعاية الجامعة العربية أو الأمم المتحدة. وتؤشر نسبة 50% على أهمية ما بات يعرف باسم «القضية الجنوبية» في تيسير عملية التحول السياسي في اليمن الذي قررته المبادرة الخليجية.

وقد ظل الجنوب الغني بموارده الاقتصادية، قضية مزمنة في اليمن، وحسب المراقبين، فإن أوان الحل قد لاح، بعد عودة اليمن إلى شعبه، وديمقراطيته الحقيقية. ورغم قلة عدد السكان في الجنوب مقارنة بالشمال، فإن الموارد الاقتصادية المتمثلة في احتياطي النفط والغاز موجود معظمها في الجنوب، كما أن مساحة الجنوب تكاد تقارب ضعف مساحة الشمال. وفوق ذلك فإن هناك مخاوف لدى الولايات المتحدة والغرب، كما هي لدى دول الإقليم من أن يتحول اليمن إلى مأوى لتنظيم القاعدة وأعمال العنف في حال تم المساس بوحدة البلاد، في ظل قوة حجم القاعدة في جنوب البلاد.

وينقسم الحراك الجنوبي إلى فصائل متعددة، قدرها بعض الباحثين بنحو 18 فصيلا، تختلف وتتفق في كثير من أهدافها، وأساليبها، لكن يمكن تقسيم الحراك وفقا لأهدافه الرئيسة، إلى ثلاثة اتجاهات، الأول يطالب بفك الارتباط وانفصال الجنوب عن الشمال، وإعادة دولته التي كانت تعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ويمثله المجلس الأعلى للحراك السلمي لتحرير الجنوب الذي يقوده القيادي البارز حسن باعوم، في الداخل ويحسب على علي سالم البيض، والاتجاه الثاني يطالب بدولة فيدرالية، ويمثله التكتل الوطني الجنوبي الديمقراطي، ويطالب بدولة فيدرالية في إطار الوحدة مع الشمال، ثم بعد ذلك تقرير المصير واستقلال الجنوب، ويقوده في الداخل محمد علي أحمد الذي عاد قبل شهور إلى عدن، ليتزعم التكتل الحراكي في الداخل، ويحسب هذا التكتل على الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي ناصر محمد وحيدر أبو بكر العطاس رئيس وزراء دولة الوحدة، والاتجاه الثالث يطالب بحل القضية الجنوبية في إطار الوحدة اليمنية، وإصلاح قضايا الأراضي، ورد المظالم، والإقصاء التعسفي، ويمثل هذا الاتجاه الأحزاب السياسية، وقيادات جنوبية قبلية.

يقول القيادي في الحراك حسن باعوم في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا مطلب واحد وهو تحرير بلدنا من الاحتلال وإقامة دولتنا الحرة في بلدنا الحر، حددنا شكل نظامها في برنامجنا السياسي الذي أقررناه في مؤتمر الحراك 30 سبتمبر (أيلول) – أكتوبر (تشرين الأول)، الماضي، وهو نظام برلماني فيدرالي بحيث تكون المحافظات الست السابقة في دولة الجنوب إمارات بحكوماتها وبرلماناتها في إطار دولة واحدة تتفجر فيها طاقات كل أبناء الوطن للنهوض بوطننا الحر المستقل». ويؤكد أن فصائل الحراك انصهرت «عمليا في المجلس الأعلى للحراك السلمي لتحرير الجنوب وفق اتفاق 9 مايو (أيار) 2009»، مشيرا إلى أن «نشاط الحراك انكمش لفترة من الزمن بسبب الاعتقالات التي تعرض لها قادة الحراك ونشطائه والمطاردات والملاحقات فضلا عن القتل في الساحات التي يتعرض لها الأحرار من أبناء الجنوب». ويربط باعوم بين اندلاع الثورة الشعبية التي أطاحت بعلي عبد الله صالح، وعودة فاعلية ونشاط الحراك، فمنذ: «مطلع 2011. عاد الحراك بقوة وبفعالية أكبر وتحد إلى مدن الجنوب، لا سيما في العاصمة عدن ومدن حضرموت الرئيسية المكلا وسيئون». ويرفض باعوم، استخدام ما يمسى الكفاح المسلح لتحقيق مطالب الجنوبيين، مؤكدا أن ذلك «نرفضه رفضا قاطعا وكاملا، وخلال الفترة الماضية كان نظام الاحتلال يحاول جرنا للعنف لكننا رفضنا الانجرار إليه ولم نلجأ له».

ويعترف رئيس المجلس الأعلى للحراك السلمي بتأثر الحراك بالانقسامات داخله فهو «يؤثر على العمل الوطني الثوري لشعب الجنوب»، ويستدرك «لكنه لا يميته أو يؤثر في طريقه، لأن الحراك الجنوبي هو ثورة شعب حامل قضية وطنية». ويلفت باعوم إلى أنه حائر في توصيف الخلافات داخل الحراك الجنوبي بالشكل الصحيح، فهي كما يقول: «ليست خلافات جوهرية بقدر ما هي خلافات بيزنطية لا معنى لها وعلى سبيل المثال عقدنا مؤتمرا للمجلس الأعلى وهو مؤتمر اتفقنا على عقده منذ سنوات إلا أن أشخاصا نكن لهم الاحترام جابهوا مشروع المؤتمر منذ اللحظة الأولى في اجتماعنا بمدينة المكلا في 11 يوليو (تموز) وظلوا يناصبونه العداء من دون منطق وأسباب موضوعية»، وعن علاقة الانقسام في الداخل بقيادات الخارج، يقول باعوم: «للأسف الشديد كنا نود من الصوت في الخارج إن لم يكن مساعدا في تقديم حلول للداخل أن يبقى في مسافة واحدة بين المتخاصمين سياسيا في الداخل، لا يكون طرفا مباشرا في الخصومة وإشعال لهيبها». وأعلن باعوم استعداد الحراك الدخول في الحوار الوطني المزمع عقده في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، مشترطا أن يكون على قاعدة، (شمال وجنوب)، وقال: «مستعدون للدخول في الحوار الوطني في إطار تفاوض ندي بين دولتين وطرفين، وعلى قاعدة القرارات الشرعية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي 924 و931، وبإشراف دولي وإذا حدث ذلك يعتبر انفراجا، واعترافا، وخطوة أولى نحو استعادة وطننا، ومن هنا نحن رفضنا وكل فصائل الحراك بالداخل وصوت الحراك بالخارج رفضنا جميعا الدخول في الحوار الوطني تحت المبادرة الموجودة حاليا بكونها استثنت توصيف القضية الجنوبية ولم تشر لها بأفقها السياسي واعتبرتها كإحدى القضايا اليمنية».

الحراك والربيع العربي

* استغل الحراك الجنوبي ثورة الربيع العربي في اليمن، وعمل على إقامة ساحة اعتصام لأنصاره في ساحة الشهداء بمدينة المنصورة بعدن، رغم أن الحراك سبق الحركة الاحتجاجية الشعبية التي أطاحت بعلي عبد الله صالح، بنحو ثلاث سنوات، وقد ساهمت الثورة الشعبية في مختلف المحافظات اليمنية، في تغير مواقف بعض قادة الحراك، الذين اعتبروا الثورة الشعبية طريقا لتحقيق مطالبهم، لتظهر الانقسامات بين مختلف التيارات الجنوبية. ومع انشغال اليمن وحكومته بالمرحلة الانتقالية بعد الإطاحة بصالح، وصعود الرئيس هادي للحكم، في 21 فبراير (شباط) الماضي، كانت هناك دول إقليمية تستغل الفوضى وعدم الاستقرار في البلاد لتجنيد ودعم عدد من فصائل الحراك الجنوبي، وقد أكد ذلك بشكل صريح الرئيس هادي في زيارته للولايات المتحدة مؤخرا، حيث اتهم صراحة جمهورية إيران الإسلامية بتقديم «الدعم القوي للحراك المسلح»، وقال هادي في محاضرة ألقاها في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، إنها تقدم «الدعم السياسي العسكري والسياسي والإعلامي والمالي لقوى الحراك المسلح، في جنوب اليمن». وتابع: «إن ذلك يهدف إلى إيجاد حالة من الفوضى والعنف، وفي إحداث انفلات أمني وسياسي في اليمن لكي تستفيد من الأوضاع المضطربة لتمرير أجندتها في المنطقة، وتسعى إلى جعل بلادنا نقطة انطلاق لممارسة دورها الإقليمي واستهداف دول الخليج العربي».

أما أمين عام جمعية المتقاعدين، العميد ناصر الطويل فيؤكد أن مشكلة القضية الجنوبية يتحملها «العليين»، علي عبد الله صالح، وعلي سالم البيض، ويقول الطويل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أحملهما المسؤولية، فالوحدة، لم تبن على أسس متينة، أو استراتيجية، متوافقة مع مفهوم الوحدة، وما حدث كان إلغاء لهوية الجنوب، فيما احتفظ الشمال بدولته، حتى على مستوى علمه، لقد كنت شاهدا على يوم إعلان الوحدة اليمنية، وشاهدت الحاضرين في ذلك اليوم يذهبون إلى علي عبد الله صالح ليباركوا له ولم يباركوا للبيض». ويرى الطويل أن الحوار الوطني الذي طلبوا منهم المشاركة فيه غير مضمون، ويعتقد شخصيا أن «الدخول فيه بهذه الصورة سيخرج اليمنيين إلى حرب مثلما تعودنا من نظام صنعاء». كما يقول، ويتابع: «لا بد أن يكون الحوار الذي نريده يكون بين طرفين الشمال والجنوب، وأن يتم تجهيز أرضية ملعب الحوار لذلك، منها ما تم تحديده في النقاط العشرون للجنة الحوار، لكن الإشكالية أنه لا يوجد نوايا صادقة من قبل الطرف الآخر». ويطالب الطويل بتطمينات ضرورية، يجب عملها قبل دخول الجنوبيين في الحوار الوطني: «أن تلغى كافة الأحكام القضائية على القيادات الجنوبية، فكثير منها محكوم عليها بالإعدام، إضافة إلى عودة ما نهب من أراضي وثروات الجنوب، ومثال بسيط لذلك هو أن شخصية عسكرية شمالية، وهو مهدي مقولة، يمتلك 6 ملايين متر مربع من الأراضي في الجنوب، ناهيك عن الأراضي الأخرى وغيره العشرات».

حلول ومواقف دولية

* تمثل القضية الجنوبية للنظام اليمني الجديد، ممثلا في الرئيس هادي وحكومة الوفاق الوطني، والمجتمعين الإقليمي، والدولي، أهم الأولويات التي يسعون لحلها، ضمن المبادرة الخليجية، وقراري مجلس الأمن الدولي رقمي (2014) و(2051)، وفي منتصف شهر نوفمبر الجاري، استضافت صنعاء، أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون، وأمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية الدكتور عبد اللطيف الزياني، في احتفالية مرور عام على توقيع المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمنة، وأضفى حضورهما قوة دولية وإقليمية، للرئيس هادي وحكومته، وتأكيدا على أهمية مشاركة جميع اليمنيين في مؤتمر الحوار، تحت سقف وحدة واستقرار اليمن.

وقد أوضح الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والمنتمي إلى محافظة أبين الجنوبية، في مؤتمر صحافي بحضور كي مون والزياني: «إن الذين يتحدثون عن فك الارتباط عليهم أن يدركوا أن هناك قرارين لمجلس الأمن رقمي (2014) و(2051) ينصان على الحفاظ على أمن واستقرار ووحدة أراضي اليمن»، وهو نفس الموقف الأوروبي حيث أكد مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، في توصياته التي أصدرها هذا الشهر (نوفمبر)، وقوفه القوي مع وحدة اليمن وتنفيذ التسوية السياسية المرتكزة على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية المزمنة.

وقبل ذلك أجرى مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن جمال بن عمر في القاهرة، لقاءات مع قيادات من الحراك اليمني الجنوبي المقيمة في المنفى، لإقناعهم بدخول مؤتمر الحوار المزمع عقده نهاية العام الجاري، وكان أبرز الأسماء التي حضرت، الرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد، والرئيس الأول لحكومة الوحدة حيدر أبو بكر العطاس، وقدم قادة الحراك للمبعوث الدولي، ما سموه وثيقة تتضمن رؤيتهم، حول مؤتمر الحوار الوطني، وتضمنت الوثيقة عدة مطالب أبرزها: «الاعتراف الصريح بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره».

وفي سبيل إنجاح مؤتمر الحوار الوطني، وتنفيذا لمطالب الحراك الجنوبي فقد أقرت اللجنة الفنية التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني الشامل، في 21 نوفمبر، تمثيل الجنوب في مؤتمر الحوار، بنسبة لا تقل عن 50%، من إجمالي قوام المؤتمر، وأقرت اللجنة بالإجماع أن تضمن المكونات السبعة المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني «عدا الحراك الجنوبي «تمثيل أبناء الجنوب في وفودها بصورة كافية بحيث لا تقل عن 50% ويوم الأربعاء الماضي أقرت اللجنة الفنية أن يمثل الحراك الجنوبي بـ85 عضوا من قوام نسبة 50% الممنوحة للحراك، وهو ما يفتح الباب للبدء في إيجاد حلول للقضية الجنوبية التي أرهقت اليمنيين وشغلتهم عن التنمية والاستقرار الذي ينشده كل يمني.

لمحة عن الحراك

* الحراك الجنوبي هو حركة احتجاجية سلمية، ظهرت في بداية الأمر في صورة مطالب حقوقية عام 2007، ثم ظهر مصطلح الحراك الجنوبي، للمرة الأولى، حينما نظمت جمعيات المتقاعدين العسكريين الجنوبيين مظاهرات بذكرى انتصار معسكر صالح في 7 يوليو، وطالب المتظاهرون بالعودة لوظائفهم التي تم طردهم منها. وقبل ذلك كانت نقطة التحول التي سبقت هذه الحركة الاحتجاجية، مظاهرة سُميت بمظاهرة كسر حاجز الخوف، في اجتماع بجمعية ردفان في 13 يناير (كانون الثاني) 2006. التي أقر المشاركون فيها مبدأ التصالح والتسامح بين الجنوبيين في ذكرى حرب 13 يناير الأهلية التي وقعت عام 1986 بين ما كان يعرف باسم الزمرة وهو معسكر الرئيس الأسبق علي ناصر محمد ومعسكر علي سالم البيض الذي كان يسمى الطغمة، وأقروا حينها البدء بعملية التصالح بين الجنوبيين من أجل التوحد جميعا للمطالبة بحقوق الجنوبيين التي انتهكت بعد حرب صيف 1994. لتتشكل عندها أول بذرة للحراك الجنوبي، حيث خرج بأول مظاهرة علنية بعد تسميته في 7 يوليو 2007. في ساحة العروض بمدينة عدن كبرى مدن الجنوب. واستمرت الحركة الاحتجاجية بعدها في التصاعد فخرجت مظاهرات يومية، ورفعت كثير من الفصائل الجنوبية سقف مطالبها إلى أن ظهرت دعوات الانفصال عام 2009. بقوة أكبر وانتشار واسع بمدن جنوبية، وبالمقابل استمر الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في التعامل الأمني معها، فقتل وجرح الكثير، من المتظاهرين ومن العسكريين النظاميين، لتبدأ قيادات الحراك بتنسيق عملها في إطار هدف واحد وهو فك الارتباط، فعملت على تنظيم صفوفها في مجالس وتكتلات

* الشرق الاوسط

أخبار ذات صله