في مهب العاصفة … في الدولة المدنية والفيدرالية والعقل والاوهام !!!

بقلم | قاسم المحبشي 
 
لماذا يفعل الناس مايفعلونه ولماذا يقول الناس ما يقولونه ؟؟ تلك هي وظيفة العلم الحقيقي الجدير بالمعنى والقيمة في حقل المعرفة الانسانية والاجتماعية والدراسات الثقافية والنقد الثقافي  ، انها محاولة دائبة في فهم وتفسير العلل والأسباب الممكنة المتخفية التي تكمن وراء نمو وتجلي الظواهر الاجتماعية وانماط المشكلات المتنوعة , محاولة منهجية نقدية بهدف تعقل وفهم النتائج المتعينة  المحتدمة في عالم الممارسة الاجتماعية الحية للفاعلين الاجتماعيين الاحياء الساعيين في طلب حاجاتهم ومصالحهم الحيوية الضرورية والكمالية ، اما النظر والحكم على واقع حياة الناس بالانطلاق من امثولة (ما يبغي ان تكون)  لا من كينونتها التاريخية وسياقها الثقافي المادي المحسوس الملموس بمعطياته المتاحة  فأمر لا يتصل بالعلم ومناهجه المعروفة ,  سمها ما شئت وما شاءت لك اللغة والبلاغة من أوصاف عدا ان تكون علماً ومعرفة علمية جديرة بالثقة والتصديق والبناء ، وليس هناك ما هو اسهل من إطلاق أحكام القيمة على افعال البشر وتفاعلاتهم وما تفرزه من ظواهر ومعضلات اجتماعية وتحديات كبيرة او صغيرة , لاسيما لاولئك الذين يرقبون المشهد من ابراج العقل الصوري المجرد  بعد ان يمنحونه كل ثقتهم العمياء , وهذا ما يجعلهم يغفلون عن ادراك ان الامر المهم في دراسة المجتمع المتعين وظواهره المضطربة الحاضرة الحية المباشرة لايكمن في اطلاق التوصيفات الجاهزة  والاحكام الاخلاقية العامة  بلفي بذل الجهد الحريص على معرفة الحقيقة المحتملة على الدوام , وذلك لا يتحقق الا بمعرفة وفهم عوامل وشروط الاحداث وصيرورتها على النحو التي صارت عليه واليه هنا والآن في لحظة معاينتها في سياقاتها الحاضرة المباشرة ، وهذا يحتاج الى تغيير الباراديم الفكري للرؤية وزاويتها , بمنظور منهجي نقدي انعكاسيعسير المنال على الأذهان التي تشكت وفق أنماط إدراكة دجمائية , واذا ما تشكل عقل المرء على نمط من انماط الاعتقاد بات من الصعب تغييره !!!
ودعوني اعيد التذكير بالبديهية القائلة ان البشر يصنعون تاريخهم بانفسهم ولكنهم لا يصنعونه على هواهم , بل في ظل ظروف وشروط وممكنات معطاه لهم سلفا وموروثة من الماضي ليس بمقدورهم تجاوزها بالرغبة والارادة وحدها , بل بالتغيير العميق لشروط انتاجها وعوامل ديمومتها , فالتاريخ يكسر رؤوس البشر ولا يتكسر راسه ابدا !!! تلك هي خلاصة الحكمة الماركسية الانسانية .
 

وقد  عبر الكثير من العلماء والمتخصصين في حقل الدراسات الاجتماعية والإنسانية عن ما يكتنف دراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية من معوقات منهجية ونظرية تحول دون تحقيق شروط العلم ومنهج البحث العلمي الموضوعي المحايد حتى في أفضل الظروف مواتاة ,اقصد في البلدان التي تمتلك تقاليد وخبرات بحثية علمية راسخة ومتراكمة منذ مئات السنين. وبهذا المعنى يمكن لنا فهم فحوى تساؤل عالم الاجتماع الفرنسي الشهير, بيار بورديو, هو “كيف يمكننا إنجاز خطاب ابستمولوجي في موضوع سيوسولوجي” دائم الحركة والتحول والتغير والتبدل, شأن جميع الظواهر الاجتماعية ؟”

 

 إذ أن الباحث في هذا الحال يكون جزء من الظاهرة المراد بحثها, بما هو إنسان يعيش في  مجتمع يؤثر ويتأثر وينفعل بما يعتمل فيه من قضايا وأحداث صغيرة أم كبيرة , تمارس تأثيرها المباشر على حياة جميع أفراد المجتمع  الذين يعيشون الحياة بسياقها الحي  والمباشر,تلك الحياة التي نمنحها تسعة أعشار من وقتنا الذي نعيشه في عالمنا     الواقعي المعيشي الفوري , بلا ماض ولا مستقبل , عالم اللحظة الحاضرة الراهنة المباشرة , عالم الحياة وتدفقها بملموسيتها وكليتها. أي الحياة اليومية البسيطة المليئة بالانشغالات الروتينية والمتطلبات المعيشية الملحة الصغيرة والروتينية التي تستغرق الكائن الاجتماعي الساعي إلى إشباع حاجاته بمختلف الوسائل والسبل والحيل والتقنيات والعادات التقاليد والأساليب والصراعات والرهانات والتفاعلات والنجاحات والخفقات,المكاسب والخسارات وكل أنماط العلاقات والممارسات اليومية التي ننهمك بها  والتي تشكل فعلاً عصب الجسد الاجتماعي برمته  “أي” الحياة بلا مزايا “,التي   يسميها عالم الاجتماع “جلير دوران” بالجو الخانق.”

 والسياسة هي “الزمن الذي لا يمر” حسب دوبرية بمعنى أنها حضوراً مستمر وانشغال دائم للكائن الاجتماعي السياسي بفطرته, حسب أرسطو وابن خلدون , وهي لذلك تمارس  تأثيرا طاغيا في حياة الناس بأشد مما تأثر بهم  تقلبات الظواهر الطبيعية : المناخ, الحر البرد,  الجدب, الخصب, الفيضانات, الرياح ,العواصف ,الزلازل والبراكين…الخ.

  ولسنا بحاجة إلى التذكير هنا بمدى ذلك الأثر الفاجع الذي أحدثته الكوارث  السياسية في حياتنا في هذا الصقع المسمم بالفساد والعنف والخوف والظلم والجهل والجريمة والانكسارات والكوارث السياسية, والتي تعد (قضية شعب الجنوب ودولته الجنوبية) أحد أبرز تجلياتها الفاجعة , تلك القضية التي نود اليوم  بحثها من حيث هي ظاهرة سياسية واجتماعية من زاوية نظر منهجية عقلانية نقدية متجردة قدر الإمكان .وهي بحكم راهنيتها وحضورها الكارثي المؤلم في العقول والقلوب مشبعة بشحنة انفعالية وعاطفية أيديولوجية بالغة الحساسية والتأثير في حياتنا هنا والآن في الجنوب والشمال   بهذا القدر أو ذاك من الشدة والحدة  ومن الاشتباك والاحتكاك  ومن مختلف المواقف والمواقع والاتجاهات بل والمسافات التي نشغلها بالنسبة لها  ومنها من حيث القرب والبعد المع والضد … الخ . هذا الشعور الملتهب   المنفعل يصعب علينا التحرر منه وتأثيره الطاغي فينا وعلينا مهما حاولنا ذلك. وبقدر ما يتعاظم الجزع الذي تحدثه ظاهرة من الظواهر, يبدو معها المرء أقل قدرة على ملاحظتها بشكل صحيح  والتفكير فيها بشكل موضوعي وإعداد الطرق الملائمة لوصفها ومراقبتها وتفسيرها وفهمها وتوقع مآلاتها بقدر من التجرد والموضوعية بما يؤمن حد أدنى من الصدق والأمانة والنزاهة  والإنصاف في معرفة الحقيقة وفهمها. إذ إن  الحقيقة مستقلة دائما في أخر المطاف .وفي طلب التعرف على الحقيقة لا يهمني أن اعَّارض بقدر ما يهمني أن أكون على صواب ولو نسبيا .

 

  وهذا هو قدر الإنسان مع ذاته وحياته ومشكلاتها ومع الآخرين ومجتمعه ومشكلاته  التي لا فكاك منها مهما حاول الهروب والتهرب واللامبالاة  إذ لا بد من المحاولة مرة ومرات وبذل المزيد من الجهد والبحث والدراسة  والنقاش  وتداول الرأي والنقد والقييم   فليس لدينا سبيل آخر للتعرف على المشكلات التي تؤرق حياتنا وفهم العلل والأمراض التي تفتك بنا وبحث السبل والممكنات الناجعة لتجاوزها, فلا عذر لنا طالما ونحن موجودين هنا والآن, وقّدر لنا أن نكون شاهدين على هذه الحقبة الصاخبة بالحروب والعنف والظلم والظلام  وبالمآسي والأزمات والإخفاقات , إذ أنه من المهين أن يكون سر أزمة حياتنا والتقييم الدقيق لمصائبنا وأزماتنا وقفاً على أناس لم يولدوا بعد ولا شيء يمكن انتظاره إن نبادر نحن بعمله .

وهذا بعض ما سبق وان وكتبته ونشرته في صحيفة الايام الغراء بعد ثلاث سنوات من اجتياح جيوش الشمال وقواها التقليدية المهيمنة للجنوب , بعنوان : (الحزب الاشتراكي اليمني ولحظة النقد والتقييم  !!) في عام 1997م  وقد لامني بعض الزملاء الاعزاء حينها معتبرين ذلك من تبكيت الذات وجلد الضمير ! ومع ذلك لم يحصل ما كنت اعتقده أمر بدهي من موقف اخلاقي كان يجب ان يتخذه الحزب الا وهو كشف حقيقة الحكاية المأساة التي كناها وكانت وصارت في هذا الجنوب المسلوب , حتى نكن على الاقل على بينة من امرنا وفهم الاسباب الحقيقية للكارثة التي عصفت بنا , وندري باي ذنب قتلنا !!! للاسف هذا ما لم يكشف حتى الآن , ورغم ان مياه كثيرة قد جرت من وراء ظهر اليسار القديم والجديد وصرنا اليوم الى ما نحن فيه من حدث وشأن , الا ان ثمة من مازال في سباته الايديولوجي البليد !ومن اجل ان لا يدوم هذا السبات_ اذا كان غير مقصود طبعأ_ عند بعض ممن نكن لا اشخاصهم الفردية الاحترام والود والتقدير , نحاول هنا تحفيز الاذهان والنقاش العام في اقتراح منهجية فكرية جديدة في دراسة المجتمع وقضاياه واحداثه  منهجية نقدية مختبره في السوسيولوجيا المعاصرة اسمها : (منهجية الممارسة الانعكاسية)

 

بمعنى أن يمتلك الباحث النقدي حساسية نقدية تجاه ذاته الفردية والجمعية _ حساسية نقدية واعية  _  تمكنه من القيام بإحداث قطيعة فكرية بين  عواطفه ورغباته وتأويلاته وغاياته, ومواقفه, واتجاهاته الشخصية والاجتماعية _ قطيعة _ مع  رؤيته للظاهرة المعنية, موضوع البحث ومع الخطاب السياسي والإيديولوجي الرائج ومع السوسيولوجي التلقائي العامومي  ومهما يكن موقفنا من  الماضي فإنه تاريخنا ولا جدوى من  الثأر منه أو السخرية منه , كما أن حبنا له وإجلاله لا يغيران من حقيقته شيئاً, وحينما يكون الماضي الذي نود معرفته, ماضياً سياسياً اجتماعيا قريباً وحاضراً ومؤثراً , مليئاً بالإحداث المأساوية فإن المهمة ستكون شاقة,غير أنه ليس هناك من خيار لنا  طالما ونحن بشر يفترض أن نمتلك, العقل والحكمة, لا قطيع من الكائنات الحية.  لا تدري لماذا تعيش ولماذا تموت , وكيف تتصدى لمشكلاتها وتبحث في مآلاتها وممكنات حلولها , فمهما حاولنا فلابد مما ليس منه بد ولا يجدي التسويف والتبسيط واللف والدوران والمغالاطات والترقيع والتخدير والتأجيل … الخ  كما أن تجليات الواقع مكررة على الدوام , وليس في الإمكان المعرفة إلا ضد معرفة سابقة أُسيء تكوينها, أو كما قال الفرنسي باشلار ” ستكون الحقيقة خطأ مصححاً أو لا تكون”.

 

فإذا ما عرفنا الأخطاء تعلمنا منها, وإذا ما عرفنا الأسباب الحقيقية التي أفضت بنا إلى ما نحن فيه من حال ومآل  تمكننا من تجاوز وضعنا المنذر بأشد وأوخم العواقب . وكلما كانت صياغتنا للأسئلة دقيقة وواضحة وسليمة كلما انجزنا نصف المهمة . فما هي قضية شعب الجنوب الثائر  وما الذي حدث هنا بالضبط , وكيف حدث ما حدث ومن المتسبب به , وماهو حجم الكارثة وكيف يمكن علاجها … الخ  ؟؟ من الأسئلة التفصيلية  التي تبحث عن إجابات اختبارية إحصائية دقيقة يصعب تجاوزها بالكلام المرسل والخزعبلات الفارغة والاوهام العقلية الكبيرة .

الذين يبشرون بالدولة المدنية الحديثة او بالدولة الفدرالية الجديدة دون ان يمتلكون دنى قوة لصنع القرار – بل ويعترفون في الوقت نفسه دون شعور بالتناقض والخجل-بان أمر الشأن العام في بلد اليمن السعيد بجهله ! هو بايدى القوى التقليدية اليمنية المهيمنة القابضة على كل مقدرات القوة المادية والرمزية والممسكة بقواعد وأسرار اللعبة السياسية ، هولاء الاخوة ممن أدمنوا بيع الأوهام الكبيرة والاحلام الرومانسية المخدرة لعذابات ومخاوف وآلام وأحلام  الضعفاء الفقراء المقهورين مازالوا يمارسون وظيفتهم ذاتها حتى بعد خراب مالطا  اذ يروجون للزيت والزيتون دون ان يكون لديهم زيتونا اصلا فمن اين يعصرون زيوتهم ؟! ، اذ تجدهم لا يعدمون المبررات والأعذار بعد كل اخفاق وانكسار، مرددين القول المكرور ؛ لقد حلمنا بعكس ما جرى !!! انهم يستقلون حاجة الانسان المتأصلة للتعلق بالأمال والأحلام ، حينما يعجز الواقع ان يرضيه ، وما (اصعب العيش لولا فسحت الأمل)  , وليس بمقدور الناس العيش بدون الاوهام في كل زمان ومكان , فالوهم هو جزء من كينونة الانسان من آدم حتى الآن وسيستمر الى ابد الابدين , حتى وان استطاع العلم استنساخ الدماغ وصناعة العقل  وهذا ما يسمى في التحليل النفسي بالانزياح او التصعيد او التعلق او التعويض الاستيهامي البديل ..الخ . 

وأشد الأوهام  هو وهم المرء انه بلا وهم ، وما أشر العقل حينما يتجرد من لضمير والشعور الإنساني النبيل , والحيونات وحدها التي تستطيع العيش بلا اوهام , واكبر الاوهام واخطرها هي اوهام العقل , كما افترض ابن خلدون وفرنسيس بيكون وغيرهما , والسلام ,

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: