حول أزمة النازحين

د. عيدروس نصر
حملة شعواء تقوم بها مواقع معروفة بخصومتها غير المبررة مع الجنوب وقضيته العادلة، وتتعلق هذه الحملة بموضوع النازحين من مناطق الحرب إلى عدن، وقد تكررت هذه الحملة عدة مرات، مرةً بعد اغتيال الرئيس السابق ونزوح أنصاره إلى عدن والآن مع نزوح الآلاف (وربما عشرات الآلاف ) من أبناء الساحل الغربي بعد الحملة العسكرية الهادفة تحرير مدينة الحديدة، وللأسف الشديد ينجر وراء هذه الحملة بعضٌ من الإعلاميين والناشطين السياسيين والمدنيين الطيبين من الجنوب والشمال على السواء مصدقين التهويل الذي تمارسه تلك المواقع والقنوات الفضائية إزاء هذه القضية.
لم ينتقد هؤلاء حكومة الشرعية لفشلها في إدارة الملف الأمني في المحافظات التي يسمونها محررة (كما جميع الملفات المتصلة بحياة الناس) بل يتوجهون بنقدهم إلى المكونات السياسية الجنوبية وعلى الأخص المجلس الانتقالي الجنوبي، في توظيف غير أمين وغير نزيه لقضية لا تخلو من البعد الإنساني يتم تجييرها باتجاه التشهير والتشويه والقذف والتجريح السياسي الخالي من لياقة الاختلاف السياسي والنقد البناء.
الناقدون يقيم معظمهم في فنادق الدول الشقيقة القريبة والبعيدة ولا يطيقون العيش في مدينة عدن الغارقة في ظلامها الدامس وفي بحيرات الصرف الصحي ووسط جبال القمامة وفي الفوضى الأمنية التي عجزت حكومة بن دغر والميسري في القيام بخطوة واحدة تتصل بتلك المعضلات التي ارتبطت بتشكيلها (أي الحكومة)، لكنهم يشحذون ألسنتهم وأسنة أقلامهم ولوحات مفاتيحهم ضد المجلس الانتقالي الذي لا علاقة له من قريب أو من بعيد بموضوع النازحين.
لا بد أولا من الإقرار بأن ملف النازحين لا يخلو من مضامين إنسانية مختلفة الأبعاد، وشخصياً أشعر بالألم وأنا أشاهد عشرات الحالات التي تصور الأطفال والنساء والعجزة وهم يفترشون العراء ويلتحفون السماء، علما بأن سكان عدن ومعظم مدن الجنوب يعيشون نفس أوضاع النازحين بعد أن تنصلت الحكومة عن واجباتها القانونية والدستورية تجاههم واكتفى رئيسها ووزراؤها باستلام المرتبات (وبالعملة الصعبة) والتنقل بين عواصم دول الجوار، وقد كتبت ذات مرة أن موضوع النازحين بقدر ما يحمل بعداً إنسانيا حقيقيا فإنه لا يمكن عزله عن الأبعاد السياسيةوالأأمنية والعسكرية، وقد كشفت كثير من الأحداث وآخرها أحداث ديسمبر الماضي أن مئات المخبرين والمخربين والقتلة واللصوص والمجرمين يتسللون بين صفوف النازحين للقيام بمهام أخرى تخدم الطرف الانقلابي منها الاغتيالات والتجسس وزراعة المتفجرات والتخريب الأمني والسياسي والاقتصادي وغير ذلك.
إن معالجة ملف النازحين تستدعي من الحكومة (إذا كانت ما تزال تشعر بالمسؤولية تجاه مواطنيها) تشكيل لجنة طوارئ تكون مهمتها العمل على استقبال النازحين عند الحدود مع المناطق المحررة وإنشاء مخيمات نزوح تتوفر فيها ظروف العيش الكريم وتقام بعيدا عن مراكز المدن المكتظة بالتلوث والفوضى والأوبئة والانفلات الأمني، وتوفير فيها الظروف الصحية والغذائية والأمنية في حدودها الدنيا كما يستدعي الأمر تكليف جهاز الأمن بدراسة الكيفية التي يمكن بها التمييز بين النازحين الحقيقيين الهاربين من الجوع والموت، وهم الغالبية العظمى من النازحين، وبين النازحين المزيفين الذين يأتون لتنفيذ مهمات أخرى سيكون أول المتضررين منها هم الحكومة نفسها وألائك المزايدون الذين يتاجرون بملف النازحين بحثا عن الشهرة وعن بعض الفتات الذي يحصلون عليه من غزاة 1994م وغزاة 2015م، ونذكر هؤلاء إن كانوا قد نسيوا أو تناسوا كيف تحول الكثيرون من بائعي البخور والبصل والخردوات إلى قناصة وقطاع طرق يقتلون النساء والأطفال في عدن وغير عدن في العام 2015م بعد أن أمضوا ربع قرن يتسترون باسم البحث عن عمل وتدبير لقمة العيش وكان أبناء عدن وكل محافظات الجنوب يعاملونهم مثل أولادهم وإخوانهم.
نعم لمعالجة ملف النازحين (الحقيقيين) ونعم لتحمل الحكومة مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية والسياسية الملحة والعاجلة للإشراف على هذا الملف وتوفير حياة كريمة للنازحين ولمستقبليهم، وعدم استغلال هذه القضية الإنسانية للمزايدات السياسية، ونعم للتمييز بين النازح الحقيقي والنازح المزيف والمخبر والمخرب والجاسوس وهو ما يحصل عند كل حالة نزوح، ولنا في الأردن الشقيق عبرة يمكن التعلم منها، رغم أنه لا يعيش حربا مع سوريا والسوريين.

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: