اقلام حرة

هزيمة تاريخية لإسرائيل تحتاج إلى ترجمة سياسية .. رأي القدس العربي

1a

كان اعلان المقاومة عن أسر جندي اسرائيلي في غزة مساء الاحد، ايذانا بانطلاق احتفالات ومظاهر فرح مستحق بكسر غرور العدو وغطرسته داخلفلسطين وخارجها، دون ان يقلل هذا من الحزن على الشهداء الذين زادوا عن الخمسمئة بعد المجزرة الرهيبة التي ارتكبها جيش الاحتلال في حي الشجاعية قبل يومين. 
لقد تكبدت اسرائيل في يوم واحد هزيمة تاريخية تتجاوز ابعادها حدود غزة بل وفلسطين المحتلة، بانهيار الصورة الزائفة التي طالما بنتها لجيشها. هذا واقع لن يتغير مهما ارتكبت من مجازر خلال الايام الصعبة المقبلة. وهو يحتاج ان يترجم سياسيا في أسرع وقت الى منجزات حقيقية على صعيد النضال التاريخي الفلسطيني وقضيته العادلة لا تقتصرعلى فتح معبر او ادخال مساعدات. 
«إنها الحرب الأكثر قسوة في تاريخ اسرائيل»، هذا ما نقلته وسائل اعلام اسرائيلية عن معلقين عسكريين خاضوا معارك سابقة ويعرفون اكثر من غيرهم ابعاد ما تكبدته الدولة العبرية من اذلال خلال عدوانها البري على غزة. اما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فاعترف في بيان امس ان جيشه يواجه «لحظات عصيبة»، بعد ان كان يستهزئ بالمقاومة او يلغي وجودها اصلا، وهو ما يؤكد ان واقع الخسائر الاسرائيلية على الجبهات النفسية والعسكرية والسياسية أشد هولا مما تعترف به. 
الاسرائيليون في اغلبيتهم مازالوا يؤيدون استمرار العدوان، ربما لانهم لا يملكون خيارا اخر، او لان الخروج بمثل هذه الهزيمة الثقيلة قد يجعل مستقبل بقاء اسرائيل نفسه محل تساؤل، او لأن بعضهم مازال ضحية لمقص الرقيب العسكري الذي هوى باسرائيل الى حضيض اكثر الدول ديكتاتورية ومنعا للمعلومات، اذ اعلن حربا هستيرية على وسائل التواصل الاجتماعي حتى ان بعض الابواق الاعلامية للجيش الاسرائيلي شنت حملة من الشتائم ضد «الواتس اب» و»الفيسبوك»(..) بعد ان انتشرت عليهما صور وفيديوهات لهجمات المقاومة.
اما عربيا فلابد من مراجعة شفافة لهذا الموقف الهزيل شعبيا ورسميا. يكفي ان ننظر الى المظاهرات الضخمة التي انطلقت في لندن او باريس او حتى واشنطن السبت الماضي ضد العدوان الاسرائيلي، لندرك ان ايا من تلك المظاهرات، والتي شكل الاجانب جزءا مهما منها، تتفوق منفردة على مجموع ما شهدته العواصم العربية من مظاهرات نصرة لفلسطين. لم يعد مقبولا في مواجهة هكذا حرب ابادة حركت مشاعر الانسانية، ان تمنع الحكومة الجزائرية مسيرة دعم لغزة، او ان توقف السلطات المصرية قافلة مساعدات قبل وصولها الى رفح. ولايمكن ان نغفل اسئلة بديهية عن ادوار دول عربية رئيسية كالسعودية التي اكتفت (مشكورة) باعلان تقديم مائتي مليون ريال للهلال الاحمر الفلسطيني، الا ان المعطيات على الارض حيث توقفت التحويلات المالية للقطاع، تجعل هذه الاموال مجرد «فرقعة اعلامية»، او «ذر للرماد في العيون». واين دور «محور المقاومة» الذي يبدو انه اكتفى بـ «المقاومة الاعلامية» منذ حرب تموز/ يوليو 2006؟ وماذا فعلت الدول العربية والاسلامية غير «الفرجة» على المجازر الاسرائيلية؟
اما فلسطينيا فان بطولات المقاومة العسكرية على الارض تحتاج الى اصطفاف حقيقي وراء اجندة وطنية خالصة، وترفع عن السعي الى مكاسب ضيقة على حساب دماء الشهداء حتى يمكن استثمار الانتصار العسكري لفرض معادلة جديدة على اسرائيل، تثمر انجازا سياسيا يقدم البديل عن مسار اوسلو الذي وصل الى نهاية الطريق المسدود، او تفتح الباب امام اندلاع انتفاضة شعبية تعيد رسم خريطة الصراع.
واذا كانت اسرائيل استخدمت المفاوضات كغطاء لتصفية القضية الفلسطينية طوال عشرين عاما، فان المسؤولية تقع على القيادات التي سمحت لها بذلك وليس على مبدأ التفاوض، وهو ما تنتهي اليه الحروب عادة للوصول الى تسويات تعكس نتائجها. وبفضل المقاومة وصمود الشعب وتضحياته يمكن للمفاوض الفلسطيني اليوم ان يتفاوض من موقع قوة ليس من اجل معابر او مساعدات لغزة فقط، ولكن من اجل القدس وحق العودة وانهاء الاحتلال الذي هو اصل الشرور جميعها. 
ان الحفاظ على الانتصار واستثماره لا يقل اهمية ولاصعوبة عن صنع الانتصار، خاصة في مواجهة عدو احترف قلب الموازين، وسرقة الانتصارات، وتزييف التاريخ، وهو ما يلزم القيادات الفلسطينية باتخاذ موقف موحد يرتقي لمستوى تضحيات هذا الشعب، وتأجيل المشاكل البينية، والاقلاع عن اتخاذ مواقف مسبقة من منطلقات ايديولوجية او اقليمية، وهو ما سيؤدي حتما الى نقلة نوعية في مسيرة النضال طال انتظارها.

مقالات ذات صلة

اترك رد

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: